نصائح لحوزة النجف/ بقلم: المفكر الإسلامي العلامة السيد محمد حسن الأمين

نصائح لحوزة النجف/ بقلم: المفكر الإسلامي العلامة السيد محمد حسن الأمين

السيد محمد حسن الامين

تتميز جامعة النجف الأشرف بأنها من الجامعات العريقة التي ربما سبقت في نشأتها الكثير من الجامعات الإسلامية المتعددة في العالم الإسلامي، كجامعة الأزهر وجامعة القرويين في المغرب، وغيرها من الجامعات الأقل أهمية، وهذا يكرس جامعة النجف بوصفها جامعة ذات تاريخ طويل وعريق.

ومن الملاحظ أن الجامعات والمؤسسات العريقة تنشأ فيها عبر التاريخ مجموعة من القيم والمفاهيم، ويجري تكريس هذه القيم، سواء في شكل الدراسة كما في مضمونها، كما في السلوك المفروض على طلاب هذه الجامعة، وتغدو عملية النقد لهذه المناهج أو القيم المكرسة نوعاً من الخروج على ما يشبه الخروج على المقدسات، مع العلم أن المقدسات هي تلك التي تتصل بالأحكام الدينية الثابتة، أما ما يتصل بالمناهج وبالعادات والتقاليد حتى لو كان هذا مقدساً بنظر البعض فهو في واقعه إنجاز تاريخي بشري قابل للتطور والتغيير، وفق تطور العصور المتوالية، ومما لا شك فيه أن ثمة متغيرات ومستجدات كثيرة، منذ تأسيس جامعة النجف، أي قبل ألف سنة، ثمة عالم يتغير، وثمة حاجة لتطوير مناهج الدراسة، كما ثمة حاجة لتطوير الخطاب الديني ولتجاوز الكثير من المفاهيم والقيم وأنماط السلوك، خلافاً لما يراه البعض من العلماء والطلاب في هذه الجامعة، الذين يعتبرون أن تراث السلف الصالح في هذه الجامعة المتعلق بقيم التدريس، وتطوير المناهج وإضافة علوم مستجدة إلى المناهج المتبعة يعتبرون بدافع الحرص على هذه الجامعة أن مثل هذه المتغيرات التي يمكن إحداثها سوف يؤثر على بنية هذه الجامعة ، وعلى قيمها، وسوف ينال من قدسية السلف الصالح الذي أسس لمناهج، وأرسى القيم التدريسية والعلمية، كما القيم التربوية والأخلاقية وصولاً حتى إلى موضوع الزي الخارجي لطالب العلم، فما زلتُ أذكر أن قيم جامعة النجف كانت تنتقد بشدة بعض المظاهر الشكلية بشأن الزي، كما على سبيل المثال انتقاد الطالب الذي يطيل شعر رأسه، أو يستعمل ساعة اليد، أو حتى الذي يلبس الجوارب، معتبرين ذلك خروجاًَ على قيافة الطالب، ومن ذلك اقتناء الراديو، فضلاً عن التلفزيون، وكذلك قراءة الصحف التي كانت محظورة في القيم النجفية، وإذا حاولنا من خلال هذه الأمثلة وغيرها أن نقيم أنماط السلوك هذه فسوف نصل إلى توصيف يطال جانباً حيوياً من جوانب التطور الذي ينبغي أن يكون سمة لجامعة تستطيع أن تحتفظ بثوابت أساسية، ولكنها في الوقت نفسه تعجز عن مواكبة العصور المتغيرة، وهذا الموقف الذي نستطيع أن نصفه بالجمود غير المبرر يتصل أيضاً و إلى حد كبير بمناهج الدراسة، واقتصارها عبر فترة طويلة جداً من الزمن على كتب معينة، بحيث يغدو الإنتقال من هذه الكتب إلى مؤلفات جديدة انتجها علماء و فقهاء ليسوا غرباء عن المواد الدراسية التقليدية، يصبح الإنتقال إلى هذه الكتب أمراً يتنافى مع السلوك الدراسي القديم، وما زلت أذكر مثالاً على هذا الأمر يتعلق بعلم المنطق، حيث الكتاب المكرس لدراسة المنطق هو (حاشية ملا عبد الله) التي يتجاوز التعقيد في عبارتها وأدائها كل الحدود التي يسوغها كتاب لدراسة المنطق، وكان شرح الطالب الجاد هو أن يدرس هذا الكتاب ويتقنه بعد معاناة كأداء، ولا يقبل منه أن يدرس كتاباً حديثاً يحتوي على مضمون كتاب الحاشية ويزيد عليها، وهو كتاب (منطق المظفر) الذي وضعه عالم متضلع بشؤون المنطق، ولكنه يمتلك منهجية التوضيح والسهولة في أداء المطالب، أي مطالب علم المنطق، وهكذا في كتب كثيرة، في الأصول والفقه.
أقول ان التمسك بمناهج الدروس عبر الكتب القديمة، وأمام تعقيداتها يمكن للطالب أحياناً أن يعجز عن متابعة الدراسة، وهذا ما حصل لطلاب كثيرين، كما أن من مجالات النقد الحيوية لمناهج الدراسة هو أن القيم التقليدية للحوزة العلمية في النجف تأبى إدخال أي علم من العلوم الحديثة المستجدة إلى مناهج الدراسة، وعلى الأخص فإنها تأبى إدخال دراسة لغة أجنبية يفترض العصر الراهن أن يتوافر عليها العالم الديني.
في خلاصة هذه الرؤية النقدية، ومع التأكيد الذي سبق وأن أوردناه لجهة ضرورة استمرار جامعة النجف بوصفها ذات الأولوية بين الجامعات والحوزات الدينية الشيعية، أقول رغم ذلك فإنني لأحسب أن هذه الجامعة يمكن أن تستمر على النحو الذي نطمح إليه إلا في معالجة هذه المشاكل والعقد التي ذكرناها، وفي إدخال معارف وعلوم معاصرة إلى مناهجها، كما أنه يجب إدخال عنصر التنظيم الذي يشكل ضرورة لا بد منها بحيث يكون هناك ما يشبه أنظمة الجامعات المتقدمة في عالمنا اليوم، من حيث المراحل التي تمر بها دراسة الطالب لهذه العلوم فلا يترك الطالب وشأنه في تدبير شؤون دراسته، بل لا بد أن يلتزم بنظام جامعي ينقله من الدراسات التحضيرية إلى الدراسة الجامعية، ومن ثم إلى الدراسات العليا التي تتوّج عادة بما يسمى بشهادة الدكتوراه، وربما جاز لهذه الجامعة أن لا تلتزم حرفياً بتسمية هذه المراحل، وأن تحتفظ لنفسها بخصوصية الأسماء التي تطلقها على مراحل الدراسة، فلا يعود الأمر كما هو الآن، حيث يصعب على الناس وعلى العامة التمييز بين الذين يرتدون اللباس الديني نفسه، والعمامة نفسها، دون معرفة ما هي الشهادة التي يتميز فيها هذا المعمم عن ذاك.
وهذا في نظرنا ليس أمراً شكلياً بسيطاً، لأن عدم وجود معايير وشهادات يؤدي إلى الكثير من الفوضى في نقل الفتاوى، وفي ابتداع الفتاوى التي لا يعرف صاحبها إذا كان جديراً بهذه المهمات، أو غير جدير بها.
هذا ملخص ما يمكن أن يطرحه الناقد والحريص في الوقت نفسه على جامعة يعتبرها الجامعة الأعرق والأقدر على الإستمرار، وعلى الأخص الجامعة التي تعلّم فيها وأحبها، و يحرص على إصلاحها كما يحرص على تمجيدها والدفاع عنها.

نصائح لحوزة النجف/ بقلم: المفكر الإسلامي العلامة السيد محمد حسن الأمين
– مجلة الشراع 22ايار2017 العدد1800

نصائح لحوزة النجف/ بقلم: المفكر الإسلامي العلامة السيد محمد حسن الأمين
– مجلة الشراع 22ايار2017 العدد1800