ثورة شعب سورية ضد الأسد بدأت داخل جيشه؟

سورية: سقوط العائلة عودة الوطن

!ثورة شعب سورية ضد الأسد بدأت داخل جيشه؟

حسن صبرا

*ينتمي حافظ الأسد إلى عشيرة وعائلة علوية متواضعة وجعلها في مقدمة السلطة والنفوذ لينتقم من الفارق الاجتماعي الذي كانت تشعر به عائلات القرداحة

*كان 90 في المئة من سجناء الرأي في سورية خلال العقد الأول من حكم حافظ الأسد من العلويين فضلاً عن العلويين المعارضين الذين سجنوا أو قتلوا أو نفوا خارج سورية

*كان السياسيون اللبنانيون يتساءلون سراً: كيف يمكن لجندي مكسور النفس والشخصية معدوم الكرامة أمام ضابط أن يقاتل إسرائيل حيث فيها الجندي قادر على مساءلة رئيس الدولة؟ وجاء الجواب مع ثورة الشعب ان آل الأسد هيأوا جيشاً لمقاتلة الناس ولم يبنوا جيشاً لمحاربة إسرائيل

*الاستخبارات في سورية تعرف عن نفسها كي تفرض الاتاوات على الناس ولا أحد في سورية لا يعرف عناصرها وضباطها لأنهم مجبولون بالسرقات والخوات

*كل أجهزة الأمن غاطسة حتى أخمص قدميها بالتشبيح لذا عناصرها وضباطها من الاغنياء في سورية

*الجهاز الأمني لم يكن قادراً على مواجهة الثورة السورية لأنه كان مشغولاً بالنهب والابتزاز وجمع المال والعيش الرغيد

*كانت العبارات المتداولة في ((البلوتوث)) هي ((الوعد الصادق))، ((رجال نصرالله)) وحزب الله

*لا يستطيع أي قائد لواء أن يحرك قطعاته إلا بإذن من الضابط الأمني العلوي

*الضباط يدافعون عن مصالحهم خاصة الكبار لديهم ويختارون من عناصرهم الاساتذة والطلاب لتدريس أولادهم

*الضباط يرسلون الجنود في الخدمة للعمل خارج الجيش كي يقبضوا تعبهم خلال سنتين لأن الضباط يعرفون ان بلدهم لم ولن يخوض حرباً ضد إسرائيل منذ 38 سنة

 

ينتمي ضباط الأسد الأب والابن إلى العشائر العلوية الأساسية المعروفة وهي:

  • الميلانية (المتاورة) وهي أكبر عشيرة بين العلويين ومنها ينحدر العماد علي دوبا، وابن اخته اللواء أحمد عبود وعمل مديراً لمكتبه، العميد محسن سلمان، العميد عزالدين سلمان، العميد جامع جامع (يقود جرائم بشار في منطقة دير الزور) العميد فؤاد المعلا، العميد أحمد يوسف (رئيس دائرة الاستطلاع)، اللواء محمد ناصيف وشقيقه اللواء فؤاد ناصيف.
  • العشيرة الحدادية ومنها ينحدر اللواء صلاح جديد، اللواء علي حيدر، العميد محمد منصورة.. والسفير في الخارجية سليمان حداد.
  • العشيرة الخياطية التي ينحدر منها اللواء ابراهيم صافي (ابنه الآن يقود إحدى فرق بشار لقمع ثورة الشعب السوري ضده) العميد محسن بدور (قائد فوج النقل في القصر الجمهوري).
  • العشيرة الحيدرية وهي أقلها نفوذاً ومراكز في الجيش والأمن رغم انتماء اللواء محمد الخولي وخليفته اللواء ابراهيم حويجي في الاستخبارات الجوية إليها.
  • العشيرة الكلبية وإليها ينتمي حافظ الأسد وعائلته..

هذا التفصيل هو وفق معلومات أحد قادة مجلس التغيير في المعارضة السورية وحيد صقر (علوي تعرض لاضطهاد ومحاولة اغتيال، كما اعتقلت أسرته بعد سفره إلى لندن ولولا جواز سفرها البريطاني وتدخل السفارة البريطانية لإطلاقها لظل مصيرها مجهولاً كآلاف السوريين الأبرياء..).

لكن حافظ الأسد اعتمد تقسيماً مختلفاً للعلويين في سورية، حيث جعل علويي القرداحة في أعلى السلم يليهم علويو طرطوس واللاذقية، ثم علويو بقية المناطق (حمص، بانياس، حماه..) وجعل علويي الجولان في أسفل السلم.

إلى هذا التقييم فإن حافظ الأسد الذي ينتمي إلى عشيرة وعائلة علوية متواضعة، جعل عائلته في مقدمة السلطة والنفوذ، لينتقم من الفارق الاجتماعي الذي كانت تشعر به عائلات القرداحة نفسها (الخير واسماعيل وعثمان..) تميزاً عن عائلة الأسد.

ولعل إنشاء الأسد الأب الشبيحة في اللاذقية، من حثالة الأفراد العلويين، كان يهدف للانتقام من العلويين المعارضين لنظامه، سواء كانوا يساريين أو ناصريين، وكثيرون منهم ينتمون أيضاً إلى عائلات عريقة وذات وضع اجتماعي متقدم تاريخياً عن عائلته.. كما أسلفنا.

 

حافظ حاقد على العلويين

صب حافظ الأسد أحقاده على خصومه العلويين أولاً، فقتل باكراً محمد عمران عام 1972، وبعد ذلك بثمان سنوات قتل القيادي البعثي السني صلاح البيطار، وسبق حقده مصير الاثنين بسجن غريمه العلوي الأول صلاح جديد منذ 1970 إلى ان افترش المرض الخبيث كل سجنه فأطلقه ليموت خارجه بعد أكثر من ربع قرن على اعتقاله.. لا تهمة، لا محاكمة، لا قضية إلا الخوف منه على سلطته.

كان 90% من سجناء الرأي في سورية خلال العقد الأول من حكم حافظ الأسد من العلويين، فضلاً عن العلويين المعارضين الذين سجنوا أو قتلوا أو نفوا خارج سورية

هكذا كان مصير حفيد المرجع العلوي سليمان الأحمد منير الذي مات تحت التعذيب بأيدي جلاوزة حافظ أما والد منير الشاعر بدوي الجبل فخطفته عصابات حافظ مرتين في المرة الأولى لإلزامه تأييد المعلم ولم يؤيده، وفي المرة الثانية لقوله شعراً اعتبره الأسد مساً به.

 

هل استسلم العلويون لآل الأسد؟

وإلى وجود وحيد صقر وأكثم بركات وسندس سليمان وسمر يزبك وعشرات القيادات المعارضة من العلويين ضد نظام بشار الأسد.. فإن الأهم ان بياناً كثير التميز صدر ضد حكم بشار قبل اندلاع الثورة الشعبية في 15/3/2011 بأسبوعين قرأه على قناة ((بردى)) المعارضة وحيد صقر يتحدث فيه عن ان التغيير في سورية قادم (نشر البيان في صحف عربية كـ((الشرق الأوسط)) و((الحياة)) وصحف بريطانية..).

أبرز ما ورد في البيان: براءة العشائر العلوية من جرائم بشار ضد الشعب السوري، والتهميش الكامل للطائفة العلوية.. وتحديداً بعد المؤتمر القطري الأخير 2010 حيث تم إقصاء الكثير من الضباط العلويين، واعتقال نحو 105 ضباط ونقل 120 ضابطاً من القصر الجمهوري إلى الوحدات المدنية والادارية غير الفاعلة.

يقول صقر ان البيان تضمن نقداً شديداً لبشار الأسد لقرار مجحف ألزم فيه هؤلاء الضباط بإخلاء مساكنهم في قدسيا (المخصصة للحرس الجمهوري) بالقرب من دمّر على طريق بيروت – دمشق، مستخدمين الشرطة العسكرية للإخلاء الاجباري بالقوة..

 

بشار حاقد أيضاً

يقول صقر: ان الضباط المعاقبين حسبوا على صهر العائلة آصف شوكت، الموضوع دائماً تحت المجهر. والعقلية الأمنية ورثها الشقيقان بشار وماهر من والدهما، وان يكون لآصف مجموعة من الضباط تتجاوز العشرات إلى ما يقرب من المئات يعني ان الصهر تحول إلى مركز قوة قادر على خلع آل الأسد ليحل محلها، ومعه ابنة الأسد الأب الكبرى بشرى.

كان هذا كافياً ليعتقل الضباط، سواء كان آصف بصدد الانقلاب بالاتفاق مع استخبارات أجنبية (فرنسية أو أميركية..) أو يكفي الشك كي يقدم آل الأسد على عملية استباقية.. وهذا ما حصل وقتل بشار خلية الأزمة كلها وعلى رأسهم آصف شوكت العلوي – السني وداود راجحة المسيحي وحسن تركماني السني وهشام بختيار السني.

قتل الشقيقان غازي كنعان، للشك بقدرته على القيام بانقلاب ضد النظام في حالة ضعفه عام 2005، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وإلزام بشار بسحب جيشه المحتل من لبنان.

ومع هذا فقد تم رسم سيناريو الانقلاب المزعوم، وقيل ان الذي كشفه نائب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء علي يونس، وكذلك العميد زهير حمد الذي رفّع إلى رتبة لواء بعد دوره في كشف المحاولة ليصبح الرجل الثاني في إدارة أمن الدولة برئاسة علي المملوك.

سواء كانت الخطة مزعومة أو حقيقية، فإن الضباط المعتقلين والمنقولين والمحسوبين على آصف شوكت تم تهميشهم، واستبعادهم من الترقيات أو الرتب المستحقة ومن مواقع كان من حقهم الترقي إليها، بسبب انعدام الثقة بهم، والاستعانة بغيرهم من خارج ملاكهم (في القصر الجمهوري) حتى ان قائد الحرس الجمهوري الجديد الذي عينه ماهر النقري هو أحد المكلفين بإحضار فتيات جميلات لابن خال الرئيس رامي مخلوف.

 

حسين الطيار نموذجاً

حسين. ر هو شاب سوري درزي تقدم للكلية الحربية في بلده على أمل أن يصبح طياراً في سلك الجو السوري، أخضع لجميع أنواع الاختبارات التي يخضع لها عادة المتقدمون للكلية الحربية في سورية، وخضع للتحقيق في لجان عديدة تقدم تقاريرها قبل الموافقة على قبوله قبل وبعد مروره في الاختبارات الطبية والصحية والنفسية والشفهية والكتابية، وتم إعداد ملف شامل عن حياته وسلوكياته وأفكاره ونشاطاته السابقة وعلاقاته واصدقائه والميول السياسية له ولأهله ولأصدقائه وكل من حوله.

حسين شاب متفوق في دراسته، وذو جسد رياضي ممشوق وقوي، ولا علاقة له بأي جهة سياسية أو حزبية أو فكرية أو ثقافية، لا هو ولا أي من أهله أو اخوته أو أقاربه.. فهذه المسائل من المحرمات الأمنية طيلة عقود في سورية.

حسين صاحب ملف نظيف بالنسبة للجهات الأمنية، متفوق في دراسته قبل امتحان الحربية وخلالها، وجاء ترتيبه الأول على كل المختبرين ولا يوجد ما يمنع من قبوله في الكلية الحربية.

لذا

قبل حسين.. في الكلية الموعودة وأعد العدة كاملة لبدء مرحلة جديدة من حياته، فدخل الكلية وانتظم في الدراسة، وكان خلال الشهرين اللذين أمضاهما فيها مثال الطالب الملتزم النشيط الواعد.

بعد شهرين بالتمام من التحاقه بالكلية الحربية استدعي حسين إلى مكتب الأمن في الكلية ليتم إبلاغه انه معفى من الدراسة، وعليه المغادرة والبحث عن عمل آخر لحياته.

تلقى حسين صدمة عمره.. لم يصدق أول الأمر هذا الابلاغ، دارت به الأرض، تماسك.. امتثل أدى التحية وخرج مودعاً دون عودة.

كان أصعب ما تلقاه بعد عودته إلى قريته في جبل العرب (جبل الدروز) هو ان أهل بلدته كلهم كانوا أطلقوا عليه اسم الطيار.. جاؤوا للترحيب به كطيار قادم من إجازة.. لكنها إجازة طويلة استمرت حتى اليوم وهو يعمل في لبنان ليعتاش.. تاركاً في قلبه حسرة، وفي قلوب أهله كسرة، ولكن أهل قريته ما زالوا يصرون على انه الطيار حسين.

يحسم الشجعان من قريته سبب إبعاد حسين انه درزي وليس علوياً ولو كان علوياً لأصبح كما يشتهي أهل قريته أن يكون طياراً.

 

جنود الجيش السوري قبل الثورة

السوريون واللبنانيون هم أكثر الناس معرفة بطبيعة العلاقة التي كانت تسود داخل الجيش السوري بين الضباط والجنود.. بل بين الضباط الكبار ومن هم أدنى منهم رتبة.

نحن لا نتحدث عن العلاقة بين من هم في الجيش السوري ضباطاً وجنوداً، وبين الناس المحكومين من هذا الجيش سواء كانوا لبنانيين أو سوريين أو فلسطينيين.. فتلك مسألة أخرى قد يعرف حقيقتها أي قارىء بمجرد معرفة العلاقة بين الضباط بمختلف الرتب وجنودهم.

نادراً ما كان الضابط في جيش الأسد يتعامل بالحسنى مع جنوده، وإذا ما ناداه فكثيراً ما كان يستخدم وصفاً للجندي يليق بالحيوانات ولا يليق بأي إنسان.

كانت الاساءة للجندي علنية ودائمة وأمام الناس، سواء عند الحواجز الأمنية التي كانت تنتشر في عموم لبنان طيلة 30 سنة (عدا الجنوب بعد الزهراني) أو في المواقع التي أقيمت في مبان خربة أو ملاعب مفتوحة، أو في قصور مهجورة ومهدمة خلال المعارك والحروب اللبنانية أو مع وضد السوريين أو مع وضد الفلسطينيين ومن إسرائيل ضد الجميع.

كان الضباط السوريون في لبنان يختارون أجمل القصور والفلل للسكن فيها مهما كانت حالتها، وكانوا يختارون الغرف الكبيرة المؤثثة، وإذا كانت فارغة يتم تكليف الجنود بالذهاب إلى محلات مفروشات لحمل ما يريدون دون دفع أي قرش، وعلى الجنود التنفيذ دون تأخير.. بينما كان الجنود يسكنون في أسوأ أماكن في أي مبنى أو ملعب أو مؤسسة.

نادراً ما كان اللبنانيون يرون جندياً سورياً مرتدياً حذاء عسكرياً عند الحواجز، أو ملابس تظهر هيبة العسكري أو اهتماماًَ بمظهره، ولم يكن هذا الأمر يثير استغراب الضباط المشرفين عليهم، لأن الضباط أنفسهم كانوا يرتدون ملابس رياضية أو نصف مدنية ونصف عسكرية، فلم يكن أحد منهم مهتماً بمظهره.

قارن كثير من اللبنانيين بين ما كانوا يشاهدونه على أرضهم من أناقة وانضباط ومناقبية وهيبة الجنود الدوليين في قوات الطوارىء التي انتشرت في الجنوب وفق القرار 425، واحترامهم لبعضهم البعض والمحافظة على كرامة وإنسانية كل منهم وبين الجنود والضباط السوريين، وكانت الحسرة تأكل قلوبهم من رؤية هذا البون الشاسع بين قوى دولية وجيش عربي.. بل حتى بين الجيش السوري والجندي اللبناني الذي ظل رغم كل ظروف الحرب الأهلية وانقساماتها داخل الجيش اللبناني نفسه محافظاً على قدر من هيبته ومظهره. وسادت في كل لبنان نكات وطرائف عن الجنود المساكين وعلاقاتهم مع ضباطهم التي لم تكن تسر حبيباً أو عدواً.

فالإهانات للجندي السوري من ضابطه أمام المدنيين اللبنانيين كانت متعمدة، وتستهدف كسر نفسه.. ولم يكن أحد ليصدق ان المسألة تحمل قدراً من التمييز المذهبـي لأن معظم الضباط علويون وربما كل الجند من السنّة أو الدروز.. وكان معروفاً في لبنان ان المسيحيين في الجيش السوري يعملون في أجهزة الأمن أو الادارة أو المهمات التي تبعدهم عن الحواجز مباشرة.

وكثيراً ما تبادل السياسيون اللبنانيون سراً وفي مجالسهم المكتومة تحت الحكم الأسدي في لبنان تساؤلات ذات حس قومي أحياناً: كيف يمكن لجندي مكسور النفس والشخصية، معدوم الكرامة أمام ضابطه أن يقاتل إسرائيل، حيث فيها الجندي قادر على مساءلة رئيس الدولة؟

كيف يمكن للجندي السوري المحطم الإرادة المهدور الكرامة الملاحق بالشتائم والكلام البذيء والرفس أحياناً بالرجل والضرب بالسوط أن يفكر للحظة بأن هناك إنساناً آخر عدواً له.. غير هذا الضابط الذي يلسعه بالسياط ويريق كرامته بأقذع الاوصاف؟

وكان بعض اللبنانيين يتعاطفون أحياناً مع جنود سوريين في مناطقهم وهم يرون من حالهم ما يدمي القلوب، حتى بعد ان يروا كيف يلزم هؤلاء الجنود بالإساءة للناس وممارسة الخوات على بعض الميسورين وحتى بسطاء الحال بأوامر من ضباطهم لجلب المال أو الطعام أو الاثاث أو الملابس أو كل ما تحتاجه بيوت الضباط ومن هم أعلى منهم رتبة في سورية.

وكانت السخرية اللبنانية من حال الجيش السوري تشمل تدهور أحوال سياراتهم ودباباتهم، وروائح الوقود السامة التي تبثها.. بل وكم الاعطال التي تلحق بها كلما تحركت، وكان التساؤل الأبرز دائماً.. كيف لجيش هذه حالته أن يحارب إسرائيل؟ وجاء الجواب مع ثورة الشعب في آذار 2011 ان آل الأسد هيأوا جيشاً لمقاتلة الناس.. وكان أهلاً لذلك وهم لم يبنوا أبداً جيشاً لمحاربة إسرائيل.

هذا في لبنان،

تعالوا إلى سورية.. ففي حديث نشر في مجلة ((الشراع)) العدد 1527 تاريخ 23/1/2012 كان المؤلف أجراه مع المفتش الأول في وزارة الدفاع السورية محمود سليمان حج محمد في القاهرة بعد ان انشق عن النظام وانضم إلى الثورة ضد الأسد. قدم المسؤول السوري السابق صورة مأساوية عن حال جنود سورية قبل الثورة فقال:

الاستخبارات كلها في سورية فوجئت بثورة الشعب السوري لأنها كانت منشغلة بجمع المال والعقارات والتجسس مكتفية ببث الرعب في نفوس الناس، وكانوا مطمئنين إلى ان الناس اعتادت السكوت والاستسلام، وان أحداً لا يجرؤ على الكلام فكيف التظاهر والثورة.

كانوا يتصرفون على أساس: قمعت فأمنت فنمت قرير العين، كانوا يمارسون النهب والسلب كما فعلوا في لبنان وسورية، وذهبوا لاقتسام المنافع، فذهب جامع جامع إلى دير الزور، وذهب منير جلعود إلى حمص، ورستم غزالة إلى فرع المنطقة في دمشق وهو أقوى فرع للاستخبارات العسكرية وأضافوا إليه لقدراته الفذة فرع ريف دمشق، (غزالة أصبح رئيس شعبة الأمن العسكري بعد ان كان رئيس فرعين للإستخبارات العسكرية ثم قتل في صراع فساد مع اللواء العلوي شحادة عام 2015) هؤلاء كانوا أساطين لبنان والآن يريدون أخذ دورهم في سورية.

 

ابتزاز وتشبيح.. على الجنود

الاستخبارات عادة يجب ان تكون سرية.. لكنها عندنا في سورية تعرّف عن نفسها كي تفرض الأتاوات على الناس، ولا أحد في سورية لا يعرف عناصرها وضباطها، لأنهم كلهم مجبولون بالسرقات والخوات.

كل واحد منهم يبتـز الناس.. تبدأ من العنصر الأمني الذي يحمل دفتراً يخيف فيه الناس ويكتب تقارير وهمية، يأتي بها الى التاجر والبائع وسائق السيارة والتجار وكل من يعتقد انه يحصّل المال ليشاركه فيه مهدداً إياه بأنه سيكتب ضده تقريراً اذا لم يعطه المال.

يخيفون الناس، ويقول العنصر الأمني للسائق العمومي ((انت عم بتسب سيادة الرئيس ولا)).. انت مطلوب للفرع الفلاني، وباتت الناس تعرف ان هذه وسيلة ابتزاز فتدفع حتى لا تتوه في أروقة الاستخبارات، لأن الداخل اليها مفقود، ولا احد يخرج منها بأي ذكرى جيدة.. اذا خرج.

يتم التشبيح على الموظفين في الادارات، بأنكم تتلقون الرشى، ورخصتم بدون القانون، وقد يكون هذا صحيحاً لكن العنصر الأمني يريد المقاسمة وفرض الخوة.

كل أجهزة الأمن غاطسة حتى أخمص أقدامها بهذا التشبيح لذا ترى عناصرها وضباطها من الأغنياء في سورية..

وهؤلاء يستميتون في الدفاع عن هذا النظام الذي يوفر لهم ان يفعلوا ما يشاؤون، لأنهم مطالبون ساعة يطلب منهم النظام ان يفعلوا ما يريده هو من قتل وقنص وتعذيب، وهم اذا كانوا يوغلون بالتوحش، فلأنهم مقتنعون بأن هذا يحمي مصالحهم وأموالهم وسرقاتهم وسلطتهم.. وبأنهم باتوا مكروهين تماماً من الناس فيتمادون في التنكيل بهم.

عنصر الأمن يعرّف عن نفسه ويقصد التخويف للإبتزاز. الموضوع المهم ان هذا الجهاز الأمني لم يكن قادراً على مواجهة الثورة السورية، لأنه كان مشغولاً بالنهب والابتـزاز وجمع المال والعيش الرغيد.

عندما فوجئوا بهذه الثورة الشاملة والحراك الكبير.. صعب عليهم الأمر كثيراً فراحوا يستعينون بقناصين من حزب الله في لبنان، تدربوا في ايران ولديهم خبرة في القنص كسبوها على أيدي الاستخبارات الايرانية، انهم قناصون وقتلة مأجورون لديهم قدرة على الاصابات القاتلة في الرأس والرقبة.

# كيف تؤكد انهم قناصون من لبنان ومن حزب الله؟

  • لفت انتباهي منذ بداية الحراك في درعا، كنا نجلس في مقهى لاحتساء الشاي، وكنا نفتح ((البلوتوث)) فإذا العبارات المتداولة، هي ((الوعد الصادق))، ((رجال نصرالله)) وحزب الله.. وأثار فضولي مع اصدقائي ان يكون هناك لبنانيون في هذه المنطقة كلهم شباب في العشرينيات من العمر، يصرفون ببذخ، فنحن نكتفي بشرب الشاي او القهوة، وهم يتناولون الطعام الغالي الثمن، وكانوا ينفقون كثيراً بما كان يلفت النظر.. وهذا مثال مبدئي أولي.

ثم بعد ذلك عندما كانت الاصابات في الرأس وكلها دقيقة قاتلة، ونحن نعلم ان جماعتنا في الأمن غير محترفين سوى في السرقة، وغير مدربين عملياً.. تردد بين الناس انهم لبنانيون من حزب الله.

يقول النائب المنشق عن بشار عماد غليون للكاتب ان أبناء حمص تأكدوا من وجود عناصر من حزب الله في الكلية العسكرية في حمص، وأن اشتباكاً حصل بين عناصر الحزب وجنود سوريين رفضوا وجود هذا الحزب بينهم.. في شهر رمضان.

 

مدخل لنشوء الجيش السوري الحر

ثم تحدث جنود بسطاء، هربوا لأنهم لا يريدون قتل الناس لمجرد أنهم خرجوا في تظاهرة، عن عناصر لبنانية من حزب الله يتولون إطلاق النار على المتظاهرين، وأحياناً يطلقون النار على الجنود لإثارتهم ودفعهم لإطلاق النار على الناس.

شاهد الجنود البسطاء وبعضهم في الثامنة عشرة او التاسعة عشرة من عمره، أن هناك من يطلق النار عليهم، وكان يطلب منهم ان يطلقوا النار على المتظاهرين، مع ترك القناصة خلف ظهورهم دون ان يلتفتوا اليهم.

المجندون العاديون الذين كانوا يخدمون لسنتين فقط ثم يسرحون، بدأوا منذ أشهر يحتفظون بهم لأنهم بحاجة الى عناصر لتقتل المتظاهرين.. وقد أصبحوا الآن أسرى ومعتقلين.

كان الجندي يدفع الى التظاهرة لإطلاق النار على المتظاهرين فيتراجع ولا يطلق النار، فكان يقتل فوراً من الخلف.. اي أجهزة الأمن لأنها لم تكن تزج نفسها في القتل المباشر، بل تريد من الجندي ابن المدينة او القرية الثائرة ان يقتل أبناء مدينته وقريته وكلها من القرى السنية في سورية.

مناطق السنّة هي مناطق الفقر والجهل وكثيرون يذهبون الى لبنان للعمل في الزراعة والبناء وكل المهن الصغيرة يعملون في اليومية، ولا يدركون ما الأمر.

كلهم يخدمون في ألوية بعيدة، محاصرة ليس لديهم وسيلة إعلام لا تلفزيون ولا إذاعة ولا جريدة طبعاً لا يعلمون ما يجري في الدنيا. لا في قراهم ولا في وطنهم.

الافراد يفرون من الجيش، وهم يدركون انهم إما أن يقتلوا او يُقتلوا، وليس كل واحد بقادر على القتل، فكثر الهرب من الجيش، كنت أتدخل بناء على طلب الأهالي لأتوسط لهم من أجل الافراج عنهم، او السماح لهم بالعودة.. لكن السلطة راحت تداهم منازلهم وقراهم، ومن يُعتقل يُقتل أمام أهله لذا راح الجنود يهربون الى مناطق بعيدة، والبعض ذهب الى الجيش السوري الحر.

كانت الاستخبارات تداهم البيوت، وكان الأهالي يأتون إلـيّ كي يسلّم الجنود أولادهم أنفسهم الى السلطات، وكنت أنصحهم ألا يفكروا بالعودة الى الجيش لأن مصيرهم القتل الفوري.

لم يعد أحد من الجنود، والفارون ما زالوا فارين والسلطلة جعلت التجنيد الى حين انتهاء الاحداث، ثم ألغت التأجيل الذي كان يتم اعتماده إما بداعي السفر او الدرس او لأسباب اخرى.. الآن ممنوع التأجيل في سورية لأن الجيش بحاجة الى الشباب للقتال بعد ان أنهك الجيش الحالي في القتال والقصف والسهر والملاحقات، فضلاً عن ان نفسيات الجنود محطمة.

 

صراع بين العربـي والايراني

# اين كنت ترى الجنود؟

  • في الوزارة في القطاعات التي أتفقدها، وإداراتها، وكنت ألتقي الجنود والضباط.

# هل تصف لنا أحوال وآراء الجنود والضباط؟

  • كله كاره وكئيب، لكن الحصار المفروض عليهم أصعب من القتال في الشارع.

لواء صغير له ضابط أمن علوي، معين من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية ويتبع لها، هذا الضابط يراقب قائد اللواء ونائبه، فهو رغم صغر رتبته كمقدم او رائد او حتى نقيب أمن يوجه اللواء وعناصره لمجرد أنه علوي ومعيّن من الاستخبارات العسكرية.

لا يستطيع اي قائد لواء اذا كان سنّياً ان يحرك قطعاته ولو لمسافة أمتار إلا بإذن من هذا الضابط الأمني العلوي.

وأنا لا أقول هذا علوي وهذا سنّي، أنا أقول هذا ضابط موالٍ لإيران.. وهذا ضابط سوري عربـي ينتمي للعروبة، وهذا هو الصراع داخل الجيش السوري وفي البلد كلها.

نحن نمقت الطائفية، ونحن نشعر بعروبتنا أولاً ووطنيتنا نحن في هذا الوطن أخوة، لا أحد يلغي أحداً، ولا نرضى ان يأكل أحد حقوقنا، نحن نسعى للعيش المشترك.

# بصفتك مفتشاً في وزارة الدفاع هل كان هناك ضابط أمني غير علوي؟

  • أبداً كلهم علويون.. وهذه الظاهرة معروفة في الجيش السوري منذ نحو نصف قرن تقريباً.

# كمشرف في الجيش، هل هناك شعور بالحزن، بالكراهية، بالسعي للتخلص من هذا الواقع؟

  • الضباط يدافعون عن مصالحهم، الضباط خاصة الكبار لديهم ما لا يقل عن 4000 عسكري اذا كان قائد لواء، واذا كان قائد فرقة فلديه بين 10 و20 ألف جندي، هذا الضابط لديه مدرّسون للغة العربية والانكليزية والرياضيات لأولاده، يختارهم من الضباط المجندين ومنهم أساتذة وطلاب ناجحون يأتون لتدريس الأولاد مجاناً.

ولديه بين الجنود نجارون، حدادون، دهانون وسمكرية، هؤلاء يعملون في منازل الضباط، واذا انتهت أعمالهم فإنه يرسلهم للعمل في ورش خاصة، ويشاركهم بالأجور التي يتقاضونها.

الضباط يرسلون الجنود في الخدمة للعمل خارج الجيش كي يقبضوا تعبهم خلال سنتين. والضباط يعرفون ان بلدهم لم ولن يخوض اي حرب ضد اسرائيل منذ 38 سنة.

أنا أعرف أناساً في محافظة الرقة، مدينة الطبقة خدموا في الجيش، فأرسلهم ضباطهم للعمل رعاة في مزارعهم، يرعون الغنم والماعز والبقر ويؤمنون لها السقاية وينـزعون عنها الصوف.. وكله بالسخرة عند الضباط.. من أمثال شفيق فياض وغيره.. (مات عام 2016).

انها حالة جديدة من حالات الرق والعبودية يمارسها الضباط على الجنود الذين يستدعون للخدمة من أجل الوطن، فإذا هم في خدمة النظام وفي خدمة ضباطه.. وهذا أسهل من إطلاق النار في الشارع.

الضباط لهم مصالح مباشرة في استمرار هذا النظام، وهذه حالة غير مسبوقة في اي نظام إرعابـي ديكتاتوري في العالم.

حافظ الاسد وإبنه بشار يقولان للضباط الذين أمسكوا بمفاصل الجيش والأمن ((إذهبوا واعملوا ما تريدون، طالما أنتم تنفذون ما نريد)).

شاهدت ضابطاً في منـزله يمد رجله للعسكري كي يقلع حذاءه من رجليه، اعترضت وقلت: يا رجل هذا إنسان جاء ليخدم وطنه، وأنت تريده ان يقلع حذاءك، هذا عدا الشتائم والسباب: يا حمار يا ابن الحمار، يا كلب يا حقير. ماذا تترك من إنسانية هذا الجندي وأنت تناديه بهذه الصفات؟ لماذا هذا الإذلال والإهانات وتحطيم الشخصية وإنسانية الجندي؟

كان لدى كل ضابط سوري حالة تفييش، فمن كان لديه عشرة جنود، يرسل نصفهم الى أهاليهم، بعد ان يتأكد من مهنة كل واحد منهم.

((انت شو بتشتغل ولاه)).

فإذا كان الجندي نجاراً يسأله الضابط.. كم تدفع لي شهرياً حتى تذهب عند أهلك وتمضي الخدمة في بيتك.. فإذا قال له الجندي.. أدفع 15 الف ليرة شهرياً.. وافق الضابط وذهب الجندي الى منـزله ليعمل ويرسل 15 ألف ليرة شهرياً.. وهكذا.

والضابط الذي يرأس مائة عسكري يرسل 50 منهم الى منازلهم ليعملوا في مهنهم، حدادين، مصلحي سيارات، دهانين، في العمار والبناء، مقابل الحصول على مبلغ شهري مقطوع يسلمه شهرياً للضابط الذي يعطيه الإذن بترك وحدته العسكرية.

أما اذا كان الجندي إبن تاجر ميسور او كان الوضع المادي للأهل جيداً ومرتاحاً فالمبلغ أضعاف ذلك شهرياً.

الجندي الذي يملك مؤهلاً مهنياً وامتنع عن الدفع يبدأ مرحلة تعذيب وسجن وقهر، حتى يرضخ ويفضل الدفع مقابل التسريح غير المعلن.

زيادة على ذلك ان الجندي في الخدمة له مخصص في الجندية، كان الضابط ايضاً يقبض عنه مخصصه، وكان يصل في بعض الأحيان الى عشرة آلاف ليرة سورية، وأحياناً أقل.. عدا عن سرقة طعامه لبيعه وهو المخصص لآلاف الجنود.

# ألم تحصل حالات تمرد ورفض؟

  • حصل كثيراً وفي إحدى المرات قتل مجند ضابطاً، لأنه لم يتحمل عذابه وابتزازه وإهاناته.. وبعدها أعدم الجندي.. كانوا يرسلون الجنود الغاضبين الى سرية التأديب، وصاحب الجرائم الكبيرة كان يرسل الى سجن تدمر.. وكان الجندي يفضل الذهاب الى سرية التأديب على الذهاب الى تدمر برغم ان المُـحال الى سرية التأديب يتعرض لتعذيب وإهانات لا حدود لها.

# هل حصلت حالات تمرد جماعية؟

  • من المستحيل ذلك، لأن لا مكان يلتقي فيه اثنان.. فالمهجع يجمعهم وبينهم دائماً مخبرون لا يمكن لأحد من الجنود ان ينبس بأي كلمة، واذا خرجوا من المهجع، لن يجد سيارة توصله الى اي مكان، وهناك الحرس والأسلاك الشائكة والرقابة.

الناس تظن ان هؤلاء الجنود يحملون السلاح وهم أحرار وهذا منتهى الظلم لهم، لأنهم عبيد وأرقاء ومعذبون ولا يصدق أحدهم كيف ينهي خدمته ليصبح حراً ويهاجر.. فليس كل الجنود اصحاب مهن، فهناك من لا يقرأ ولا يكتب ولا يملك مهنة بين يديه..

الأمن في كل سرية في كل كتيبة في كل لواء هو علوي.

# من أين يأتي النظام بالعلويين ليضمنوا السيطرة على الجيش، خاصة اذا كان من نصف مليون جندي؟

  • نصف مليون جندي، لا يحتاجون أكثر من 50 ألف أمن بل مائة ألف علوي للسيطرة عليهم.. وهذه ليست مشكلة.. وكلهم ضباط وليس بينهم جنود، بل ضباط تحت أيديهم الطيران المدني والعسكري والمرافىء والشركات الهامة التي توفر لهم المال.. والأهم أنهم يستعبدون مئات آلاف الجنود المساكين.

لم يكن الجيش السوري مهيأ لقتال اسرائيل، والبعض يذهب الى أنه لم يكن له سوى مهمة واحدة هي حماية النظام.

لكن أغلبية المهتمين والعارفين بشؤون النظام يرون ان الأسد الأب تعمد ان تكون السلطة الفعلية في البلاد هي لأجهزة الأمن، اما الجيش المحترف فهو ذاك الذي يكون بقيادة العائلة.. من سرايا الدفاع بقيادة شقيقه رفعت الاسد في عهده، الى الفرقة الرابعة التي ضمت بقايا السرايا التي وزع دمها على قبائل الفرق السورية الاخرى، بعد طرد رفعت من البلاد..

ويقود ماهر الاسد الفرقة الرابعة في عهد أخيه بشار.. إضافة الى الحرس الجمهوري.

وكما كانت سرايا الدفاع هي للدفاع عن النظام في عهد الأسد الأب، فإن الحرس الجمهوري في عهد الأسد الإبن هو لحراسة حكم العائلة.

إلى ذلك،

فإن عاملين أساسيين رسما مسار الجيش السوري في السنوات الاخيرة.

العامل الأول هو تخفيض أعداده التي تضخمت لفترة تصل الى نحو نصف مليون جندي ضمن مؤسسة عسكرية – أمنية كانت تستهل نحو 67% من الدخل القومي السوري وفق إحصاءات رسمية معلنة.. الى نحو 250 الف جندي لحظة بدء الثورة الشعبية ضد آل الاسد.

العامل الثاني هو ان ثورة السوريين ضد الأسد ألزمت النظام ان ينشر قواه في طول سورية وعرضها وهذا أمر تعجز عنه أقوى جيوش العالم.. فكيف اذا كان هذا الإنتشار لفترة طويلة، بما أتاح الفرص لانشقاقات طالت عشرات الآلاف من الجنود.

هذان الأمران ألزما بشار الإستعانة بالخارج وخاصة إيران التي موّلت النظام بالمال والسلاح.. والرجال من العراق ولبنان ومن إيران نفسها.

 

حسن صبرا

من كتاب ((سورية.. سقوط العائلة عودة الوطن))